
كان لا بد أن يخترع رجل الريموت كونترول.. لأنه يتكون من كلمتين ذكوريتين: كونترول (سيطرة) وريموت (ابتعاد)
واشنطن: محمد علي صالح
توفى، قبل أربعة شهور، روبرت ادلر، 93 سنة، الذي سجل مكتب الاختراعات الفيدرالي الاميركي باسمه اكثر من مائة وثمانين اختراعا تكنولوجيا، منها «الريموت كونترول» الذي يغير قنوات التلفزيون من بعد. وكتب بول فارهي، الصحافي في جريدة «واشنطن بوست»، نعيا طويلا عنه، قال فيه: «غير الريموت ليس فقط مشاهدة التلفزيون، ولكن، ايضا، الحياة الحديثة». وأضاف: «غير الريموت التلفزيون نفسه. انتهت ايام الازرار العملاقة قرب الشاشة التي تدار يمينا ويسارا، وترفع الى أعلى والى اسفل. وصار التلفزيون انيقا. ثم صار مثل شاشة سينما، تعلق على الحائط». وقال: «الذي لا يعرف اهمية الريموت، عليه ان يجلس امام التلفزيون، وينتقل من القناة 47 الى القناة 470». ونعت مخترع «الريموت»، ايضا، الين غودمان، كاتبة العمود في جريدة «بوسطن غلوب» وقالت: «كان لا بد ان يخترع رجل الريموت كونترول، لأنه يتكون من كلمتين رجاليتين: كونترول (سيطرة)، وريموت (ابتعاد). في الحقيقة، وأنا متأكدة مما أقول، يتمنى كل رجل، في اعماقه، اختراع ريموت كونترول يسيطر على زوجته، من بعيد».
في سنة 1892، قدم الأميركي نيكولا تستا، الاختراع رقم 612,809 الى ادارة الاختراعات الفيدرالية لتسجيل «جهاز للسيطرة على ماكينات من مسافة بعيدة». في ذلك الوقت، لم تكن هناك راديوهات، وتلفزيونات، وسيارات، وطائرات. بعد ذلك بثلاث سنوات، سجل الأميركي رودلف ديزل اختراع اول ماكينة احتراق للسيارة. لكن، كانت هناك ماكينات قطارات، وبواخر، ومصانع. وكان «الجهاز» يربط سلكيا بين ماكينة وماكينة. (في وقت لاحق، طور تستا الاتصال من سلكي الى لاسلكي). وفي سنة 1903، ذهب الاسباني ليوناردو توريس الى فرنسا، وعرض في اكاديمية العلوم الفرنسية جهاز «تيليكينو» للسيطرة لاسلكيا على ماكينة من بعد. وعاد الى اسبانيا، وفي حفل حضره ملك اسبانيا في ميناء بلبو، استطاع السيطرة على قارب من بعد.
والتقط العسكريون هذه الاكتشافات، وبدأت اختراعات لاطلاق قنابل توربيدو من على بعد (سنة 1910)، وللسيطرة على طائرة (سنة 1932)، ولاطلاق صاروخ «واسرفيلد» في المانيا (سنة 1940). ثم اخترع ادلر (الذي توفي قبل اربعة شهور)، بمساعدة ايوجين بولي، مهندس الكتروني ايضا، اول «ريموت كونترول» للسيطرة على راديو من على بعد (سنة 1956). انتجته شركة «زيناس»، والتي انتجت اول تلفزيون. ثم طبقت نفس النظرية لانتاج «ريموت كونترول» للسيطرة على تلفزيون. لكنه كان عملاقا، في حجم حقيبة سفر. سمته الشركة «ليزي بون» (عظمة كسولة)، وكأنها كانت تعرف انه سيشجع الكسل، او أن الكسل سيستغله، أو الاثنين معا.
استعمل اول ريموت تكنولوجيا «فلاشماتيك» التي اعتمدت على اشارات ضوئية. لكن، كانت الاشارات تتعرقل عندما تدخل اشعة الشمس الغرفة. ثم ظهرت تكنولوجيا «سبيس كوماند» التي اعتمدت على موجات صوتية ذات ذبذبات عالية. (تستعمل حاليا، بعد تطويرها). وبعد ان كان اول «ريموت» في حجم حقيبة سفر، صار آخر «ريموت» في حجم تلفون موبايل. لكن، كلما زادت الوظائف، زاد الحجم قليلا. وربما لا يعرف الذي يشترى تلفزيونا ومعه «ريموت»، ولكن ثلث القيمة التي يدفعها بسبب «الريموت».
وشملت تكنولوجيا «الريموت» أشياء أخرى، مثل: «بورتابل» (تلفون محمول)، و«دور اوبنر» (لباب مرآب السيارة)، و«كيرتن موفر» (لستارة النافذة)، و«اتو دور» (لباب السيارة)، و«انجن ستارتر» (لتشغيل ماكينة السيارة من بعد). ومؤخرا ظهر «ريموت» للسيطرة على «تيفو» الذي يسيطر على التلفزيون، ويسجل برامج يريد المشاهد ان يشاهدها في وقت لاحق، او يحذف اعلانات من المسلسلات والأفلام. قبل ثلاث سنوات، عندما ظهر «تيفو»، قال بعض الناس انه سوف يقلل مشاهدة التلفزيون. قالوا ان المشاهد سيسجل البرامج بدل ان يجلس امام التلفزيون ساعات وساعات. لكن، في السنة الماضية، اوضح بحث ان مدمن التلفزيون يظل مدمنا له رغم «تيفو». وانه يعود من المكتب، ويجلس امام التلفزيون، ويشاهد البرامج التي سجلها «تيفو» خلال اليوم. بل ويقدر على ان يشاهد البرامج المسجلة في «تيفو»، وبرامج التلفزيون المباشرة، في نفس الوقت، وبمساعدة «ريموتين». ولم تقل قدرة «تيفو» على تحاشي الاعلانات من ادمان التلفزيون. والسبب هو أن هناك مدمني اعلانات تلفزيونية ايضا. يحدث هذا رغم ان الاعلانات قللت من مستوى مواد التلفزيون، وزادت خطورة كثرة مشاهدة التلفزيون. وذلك لأن الاعلانات: اولا، تجارية لزيادة ارباح الشركات. ثانيا، تبالغ في وصف المحاسن. ثالثا، تعتمد على الاثارة. وربما هذا السبب الأخير من اسباب ادمان بعض الناس للاعلانات التلفزيونية.
في سنة 1951، ظهر اول اعلان، في تلفزيون «ان.بي.سي»، وكان عن ساعة «بالوفا»، وصورت خريطة للولايات المتحدة، وعبارة «مواعيد اميركية بساعة بلوفا». لكن، في الوقت الحاضر، صارت الاعلانات ترفيهية وكأنها برامج تلفزيونية. وصار الخط الفاصل بين الاعلانات والمعلومات الجادة باهتا. وصارت الاعلانات جزءا من الثقافة الأميركية. وتحولت أغنية «ريفوليوشن» (ثورة) التي قدمها «البيتلز» (الخنافس) الى إعلان تجاري لأحذية «نايكي». وتحول لحن دعاية لمشروب «كوكا كولا» الى لحن لأغنية «اريد ان أغنى للعالم». وظهرت منافسة سنوية لأحسن الاعلانات، مثل منافسات أحسن الافلام، وأحسن المسلسلات التلفزيونية. والآن، ظهرت في الانترنت جمعيات مدمني الاعلانات في التلفزيون، يتحاورون، ويتفلسفون.
وبدأ «الريموت» يصير جزءا من الثقافة الاميركية. في سنة 1979، ظهر «الريموت» كشيء غريب في فيلم «بيينغ ذير» (كونك هناك) عندما حاول مزارع استعمال «ريموت» لوقف لص سرق ممتلكاته وهرب. وفي السنة الماضية، ظهر «الريموت» كموضوع نقاش في فيلم «كليك»، عندما اشترى الممثل ادام ساندلر «ريموت» يسيطر على زوجته (عندما تختلف معه)، وأولاده (عندما لا يسمعون كلامه)، والناس في الشارع (عندما يضايقونه)، والسيارت (عندما تعرقل المرور). ارتاح الممثل لذلك كثيرا، لكنه صار شبه مجنون عندما استعمل «الريموت» للسيطرة على الوقت. ضغط على زر «فاست فوروورد» (الى الامام سريعا) لرؤية السنة القادمة، وشاهد رئيسه في المكتب يمارس الجنس مع سكرتيرته. ثم ضغط على الزر لرؤية ما بعد خمس سنوات، وشاهد زوجته طلقته، وتزوجت مدرب السباحة الذي كان يدرب اطفالهم. ثم ضغط على الزر لرؤية ما بعد عشر سنوات، وشاهد نفسه في مستشفى للعلاج من مرض سرطان يهدد حياته. وكاد ان يصاب بالجنون بسبب «الريموت».
وشجع «الريموت» مشاهدة التلفزيون لساعات اكثر، وساهم في زيادة نسبة البدانة: أولا، لا يحتاج المشاهد لأن يترك مقعده ليغير القناة. ثانيا: صار «الريموت» يسيطر، ايضا، على افلام الفيديو. ثالثا: زادت عدد القنوات (تقارب الف قناة في بعض المدن الأميركية).
وفي السنة الماضية، أعلن مركز «ديسيز كونترول» (السيطرة على الأمراض) في اتلانتا (ولاية جورجيا)، ان البدانة وسط الأميركيين تحولت الى مرض. وقال ان من اسباب ذلك الجلوس لساعات كثيرة امام التلفزيون (وخاصة بالنسبة للاطفال). وقبل ثلاث سنوات، نشرت دورية «اميركان ساينتست» (العالم الأميركي) ان مشاهدة التلفزيون تحولت الى ادمان. ونشرت احصائيات بأن الاميركي، صغيرا وكبيرا، يشاهد التلفزيون، في المتوسط، ثلاث ساعات ونصف ساعة كل يوم. وقالت ان كل من يزيد عن المتوسط يصير شبه مدمن، ثم ينتقل تدريجيا نحو الادمان (لكنها لم تحدد ساعات الادمان). وقالت: «ادمان مشاهدة التلفزيون، ليس اقل خطورة من اي ادمان آخر». وقبل سنتين، نشرت دورية «جايلد سايكولوجي» (علم نفس الاطفال) نتائج بحث تابع اطفالا لخمس سنوات، واوضح انه كلما زادت ساعات مشاهدة الاطفال للتلفزيون، قل مستواهم الاكاديمي في المدراس.
وفي السنة الماضية، نشرت دورية «جورنال اوف سكشواليتي ريسيرش» (ابحاث الجنس) انه كلما قلت ساعات مشاهدة المراهقين والمراهقات للتلفزيون، قلت ثقتهم في انفسهم، وزادت نشاطاتهم الجنسية». وكانت نفس الدورية نشرت، قبل اربع سنوات، بحثا اكد ربما ما كان معروفا، وهو انه كلما زادت مشاهدة التلفزيون، قل النشاط الجنسي للمتزوجين.
وبدأ النقاش حول كثرة الاعتماد على التلفزيون قبل ظهور التلفزيون. في سنة 1932، كتب الدوس هكسلي، اديب بريطاني هاجر الى اميركا، كتاب «عالم جديد شجاع»، وتحدث فيه عن «يوتوبيا» سوف يشهدها العالم خلال نصف القرن التالي (قبل نهاية القرن العشرين). وتحدث عن الحرية في كل مكان، والسعادة في كل قلب. ومستشفيات تكاد أن تغلق بسبب قلة الامراض، وسجون تكاد أن تحول الى مدارس بسبب قلة الجريمة. لكن، يوجد في هذه «اليوتوبيا» ناس يمشون عرايا في الشوارع، وجنس يمارس في كل مكان، ومخدرات تباع وتشترى في الاسواق، وحبة «سوما» التي تزيل كل هم وغم.
بعد كتاب هكسلي بعشرين سنة تقريبا (في سنة 1949)، كتب جورج اورويل، اديب بريطاني، كتاب «سنة 1984»، وفيه توقعات ما سيحدث قبل نهاية القرن العشرين. اتفق مع هكسلي، بأن «اليوتوبيا» سيكون فيها ترف، وبذخ، وجنس. لكن، قال ان ذلك سيكون على حساب الحرية. ستسيطر الحكومات والمؤسسات على اجهزة الاعلام، وعلى افكار الناس وتصرفاتهم، وتسخرها كما تريد. وقال، عن «ونستون» بطل قصته: «ضغط ونستون على زر امامه، وخفض صوت التلفزيون. تلفزيون المستقبل لا يمكن اغلاقه. يمكن فقط تخفيض صوته». وقال ارويل إن التلفزيون سيكون جزءا من مؤسسات دكتاتورية تسيطر على كل الناس. ولا يمكن اغلاقه حتى لا يتوقف بث الدعايات الحكومية. وستقدر الحكومات على السيطرة على الاذاعات، والكتب، والصحف، والمجلات. و«اختفت الحقيقة. وصارت الثقافة ثقافة مغلقة». وأضاف اورويل: «عمت الاختراعات الجديدة كل مكان. وأحبها الناس، وعبدوها، وصاروا خدما لها من غير ان يدروا. وغرقت الحقيقة في بحر من اللامبالاة». وأضاف: «خاف الناس من السلطة، وقرروا ان يتحاشوها».
وهكذا، إذا قال هكسلي «سيدمرنا ما نحب»، قال اورويل: «سيدمرنا ما نخاف». ورغم اختلاف آرائهم، اثبت هذه الآراء، من القرن الماضي، ان التلفزيون، عندما ينتشر، ويتطور، ويدخل كل منزل، بل وكل غرفة، سيفعل شيئين: اولا، يغري الناس. ثانيا، يخيفهم.
وقدمت مجلة «ريدرز دايجست» نصائح لتحاشي ادمان التلفزيون: اولا: الاعتراف بكثرة مشاهدة التلفزيون. ثانيا: الاعتراف بأن عدم مشاهدة التلفزيون ليست الحل. ثالثا: ادمان الانترنت بدلا عن التلفزيون ليس الحل. رابعا: كلما زاد حجم التلفزيون زادت مشاهدته. خامسا: تخفيض الاشتراكات: واحدة للاخبار، وواحدة للافلام. سادسا: تدوين ساعات المشاهدة كل يوم. سابعا: التفكير في معنى الحياة والهدف منها. لكن، ادمان التلفزيون، أو احتمال ادمانه، لا يقلل من اهميته. وفصل ذلك ديفيد غرنليت في كتابه «عشرة أخطاء عن معاداة التلفزيون». وأشار الى برامج مثل «شارع السمسم»، وقال إن الأبحاث أوضحت أن هناك صلة ايجابية بين مشاهدة الاطفال للبرنامج، وبين تفوقهم في الدراسة، خاصة في التاريخ والجغرافيا.
الشرق الاوسط









